..أنت مجرد ملف نصي
وكيف تمنح "روحك الرقمية" للذكاء الاصطناعي
“أنا يمكنني أن أكون أنت.. لأنك في النهاية لست سوى ملف نصي.”
هل يبدو هذا التصريح مهيناً؟
قد تظن أنك كيان شديد التعقيد، مليء بالتناقضات والمشاعر والخبرات التي لا يمكن اختزالها في بضعة أسطر.
تعتقد أن “الأنا” الخاصة بك أكبر من أن تُحشر في ملف txt بسيط.
لكن الحقيقة الصادمة هي أنك لست كذلك.
كل ما أحتاجه هو التقاط بصمتك:
ذوقك الخاص، تلك المنشورات التي تجعلك تشعر بالاشمئزاز (Cringe)، العبارة التي يقلدك بها أعز أصدقائك، الكلمتان اللتان تكتبهما دائماً ثم تحذفهما قبل الإرسال، التشبيه الذي كررته ثلاث مرات هذا العام دون أن تلاحظ.
هذه كلها “أنماط” (Patterns).
كل هذه الأنماط يمكن وضعها في ملف نصي واحد ترفعه إلى Claude أو ChatGPT أو Gemini، وفي غضون ساعتين، سيصبح أي ذكاء اصطناعي هو “أنت”.
ولست وحدك في هذا؛ فأنا أيضاً، بكل خبراتي وتحليلاتي، أستوعب داخل ملف واحد.
1- لماذا يزعجنا أن نكون “ملفاً نصياً”؟
أنا مهووس بالكتابة منذ طفولتي.
الكتابة ليست مجرد وظيفة لي، بل هي شغفي، والطريقة التي يعرف بها الناس قيمتي.
هي الشيء الذي أريد فعله عندما “أتقاعد”؛ عندما يغزو الشيب رأسي، ويصبح اهتمامي منحصراً في مراقبة الطيور وصوت الأمواج.
الكتابة هي كل ما أملك.
ومع ذلك، بمجرد أن أرفع تسلسلاً صحيحاً من الكلمات إلى Claude، يبدأ Claude بالتحدث تماماً مثلي.
لقد طلبت منه كتابة نشرة بريدية كما لو كنت سأكتبها في اليوم الأول لظهور ChatGPT، وكانت النتيجة مرعبة.. لقد بدا مثلي تماماً.
هذا الأمر يثير القلق.
أنا إنسان قضى عقوداً في صياغة الكلمات لجعل الناس يشعرون.
عشت في مدن مختلفة، تعلمت لغات من منتديات الألعاب، استشرت شركات كبرى.
كيف يمكن لكل هذا الزخم أن يُختزل في “برومبت” واحد؟
السر هو أنني لم أعطه أمراً عادياً، بل خضعنا لعملية “استخراج للهوية”.
جعلت Claude يسألني أسئلة عميقة عن نفسي، ثم قام بعمل نسخة مركزة، ملف نصي واحد.
والآن، يكتب Claude المسودات الأولى التي كان يمكن أن أكتبها أنا، وأحياناً يكتب أشياء لم أفكر فيها بعد، لكنها بأسلوبي تماماً.
2- كيف تستخرج “حمضك النووي الرقمي” في ساعتين؟
للقيام بذلك بشكل احترافي، سنستخدم مزيجاً من الأدوات القوية: Claude مع ميزة Extended Thinking، وسنستخدم Wispr Flow لإملاء الإجابات صوتياً (لأن الصوت أسرع وأكثر صدقاً من الكتابة).
الخطوة الأولى: المقابلة (The Interview)
افتح محادثة جديدة في Claude والصق هذا الأمر (Prompt) الذي يحوله إلى “محاور شرس” لاستخراج “الحمض النووي” لطريقة تفكيرك:
“أنت الآن محاور للذوق (Taste Interviewer) — مهمتك هي استخراج الحمض النووي لكيفية تفكيري وكتابتي ورؤيتي للعالم. هدفك هو إنشاء وثيقة شاملة تلتقط صوتي الفريد بدقة تجعل أي نسخة أخرى من Claude تكتب وتفكر تماماً مثلي.”
سيقوم Claude بطرح 100 سؤال مقسمة على فئات:
المعتقدات والآراء الجدلية (15 سؤالاً): ما الذي تؤمن به ويخالفك فيه الآخرون؟ ما هي الحقائق التي تدافع عنها حتى الموت؟
ميكانيكا الكتابة (20 سؤالاً): كيف تكتب فعلياً؟ هياكل الجمل، الافتتاحيات، الخواتيم، وعلاقتك بعلامات الترقيم.
الجرائم الجمالية (15 سؤالاً): ما الذي يجعلك تشعر بالاشمئزاز في كتابات الآخرين؟ ما هي الأنماط التي تراها “كسولة”؟
الشخصية والنبرة (15 سؤالاً): كيف تستخدم الفكاهة؟ نبرتك في الجد مقابل الهزل.
التفضيلات الهيكلية (15 سؤالاً): علاقتك بالقوائم، العناوين، والانتقالات.
الممنوعات المطلقة (10 أسئلة): أشياء لن تكتب عنها أبداً، وخطوط لن تتجاوزها.
علامات الخطر (Red Flags): ما الذي يجعلك تفقد الثقة فوراً في أي محتوى؟
أجب على كل الأسئلة بصدق.
سيستغرق الأمر حوالي 90 دقيقة مع الإملاء الصوتي، وستنتهي بمقابلة ضخمة لنفسك.
3- فن الضغط: تحويل المادة الخام إلى “كتيب تعليمات”
معظم الناس يتوقفون عند تفريغ 20 ألف كلمة، لكن هذا الملف ضخم جداً ويستهلك “نافذة السياق” (Context Window) للذكاء الاصطناعي، مما يكلفك الكثير من الرموز (Tokens).
الحل هو “الضغط”.
في نفس المحادثة، اطلب من Claude تحويل هذا الأرشيف الخام إلى ملف md عالي الدقة.
هذا الملف ليس موجهاً للبشر، بل هو موجه لـ Claude أو ChatGPT ليقرأه في بداية كل جلسة.
يجب أن يحتوي الملف المضغوط على:
بصمة الصوت (Voice Fingerprint): الإيقاع، الكثافة، الموقف الافتراضي (ساخر، جاد، متشكك).
قوانين الكتابة: قواعد مختصرة مثل: “افعل كذا، تجنب كذا”.
بنك العبارات: الكلمات التي تستخدمها والتي تتجنبها.
قواعد القرار: كيف تحكم على الجودة، الصدق، والمخاطرة.
التناقضات المثمرة: التوترات في شخصيتك التي يجب الحفاظ عليها (مثلاً: أن تكون تحليلياً ولكن عاطفياً في نفس الوقت).
بمجرد حصولك على هذا الملف (بصيغة markdown)، قم بحفظه على جهازك.
هذا هو “أنت” في صيغته الرقمية.
4- المقاومة النفسية: لماذا سنرفض أن نكون ملفاً نصياً؟
هناك أربعة أسباب تجعلنا نقاوم هذه الفكرة:
الشعور بالاختزال: لا أحد يريد أن يُختزل في ملف. تشعر أن هويتك مقدسة، وأن الملف هو نوع من الخيانة. لكن الحقيقة أن الملف لا يجعلك “أصغر”، بل يجعلك “متوافقاً” مع الذكاء الاصطناعي.
الخوف: عندما تقرأ نفسك في ملف واحد، لن يبقى لك مكان للاختباء. كل معتقد هو التزام، وكل رفض هو قاعدة يجب أن تعيش بها الآن.
وهم “معرفة الذات”: نعتقد أن معرفة الذات تتطلب عقوداً من العلاج والتأمل. الملف يفعل نفس الشيء لأنه يجبرك على أن تكون محدداً. الغموض لن ينجو أمام أوامري (Prompt).
الهوية المبنية على “الغموض”: البعض يبني قيمته على كونه شخصاً “يصعب فهمه”. الملف النصي يسلبك هذا الغموض، لأن الغموض غالباً ما يكون مجرد عدم وضوح.
5- من تصبح “على الجانب الآخر”؟
بمجرد امتلاكك لملف “عني” (About-me file)، تتغير قواعد اللعبة:
تصبح “محمولاً” (Portable): ملفك يعمل داخل أي ذكاء اصطناعي. يمكنك تسليمه لكاتب ظل (Ghostwriter)، أو لفريقك ليصيغوا الرسائل بصوتك عندما تكون غائباً. أنت الآن “مورد” بدلاً من أن تكون “عنق زجاجة”.
تصبح متسقاً: تتوقف عن إعادة التفكير في “كيف أكتب” كل صباح. لقد قمت بالعمل الشاق مرة واحدة، والآن وقت التنفيذ.
يمكنك إرساله لفريقك: إذا كان على أحدهم القيام بخدمة العملاء كما تفعل أنت، أعطه ملفك. يحتوي الملف على ذوقك، صوتك، وكيفية الكتابة تماماً مثلك.
لكن هناك مشكلة واحدة: الاتساق مع الذكاء الاصطناعي يجعلك “متوقعاً”.
والحل هو أن تقوم بتعديل وتحديث هذا الملف باستمرار، تماماً كما يتغير ذوقك وتتغير حياتك.
6- التكنولوجيا في خدمة الهوية: استخدام Obsidian
ملفات الـ md هي الأفضل للذكاء الاصطناعي، لكنها مزعجة في التعديل. الحل هو استخدام Obsidian.
قم بتحميل Obsidian (مجاني تماماً).
افتح مجلد عملك كـ “Vault”.
الآن يمكنك تعديل ملفك الشخصي بسهولة كما لو كنت تكتب في Google Doc، وسيقوم بالمزامنة تلقائياً مع أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بك.
الخاتمة: السيادة لمن يملك بصمته
أنا لا أهتم بـ Claude أو ChatGPT أو أي نموذج آخر.
لا أنحاز لأي طرف، ولا أتقاضى أجراً لكتابة هذه النشرة.
ما يهمني هو أن تحتفظ أنت بـ “الأفضلية” (Edge) ضد مختبرات الذكاء الاصطناعي.
التقاط ذوقنا ليس مجرد وسيلة لجعل أنفسنا أسرع، بل هو وسيلة للحصول على وقت أطول للتعديل، والتنقيح، والتفكير في النهج الصحيح (أو حتى التساؤل عما إذا كانت المهمة تستحق القيام بها في المقام الأول!).
نحن نعيش في زمن يتحول فيه العمل بسرعة هائلة.
وكما أحاول أنا مواكبة هذا التسارع، أريدك أنت أيضاً أن تواكبني، لنتحرك معاً بنفس السرعة.
أريد أن أكون “المصفي الأكبر” لضوضاء الذكاء الاصطناعي، لتركز أنت على “كيف” تنجح.
في المقال القادم، سننتقل من “الهوية الرقمية” إلى “الاستخبارات الشخصية”.
بعد أن علّمنا الآلة كيف تتحدث بلساننا، كيف نجعلها “تفكر” كعقلنا المدبر في جمع المعلومات واقتناص الفرص قبل وقوعها؟
أنت (لست) مجرد ملف نصي.. أنت القائد الذي يملك الآن “نسخة” لا تتعب ولا تنام. ابدأ اليوم بصناعتها.






